سيد قطب

2275

في ظلال القرآن

واتخاذ إبليس وذريته أولياء يتمثل في تلبية دواعي المعصية والتولي عن دواعي الطاعة . ولما ذا يتولون أعداءهم هؤلاء ، وليس لديهم علم ولا لهم قوة فاللّه لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم فيطلعهم على غيبه . واللّه لا يتخذهم عضدا فتكون لهم قوة : « ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ، وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً » . . إنما هو خلق من خلق اللّه ، لا يعلمون غيبه ، ولا يستعين بهم سبحانه . . « وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً » فهل يتخذ اللّه سبحانه غير المضلين عضدا ؟ وتعالى اللّه الغني عن العالمين ، ذو القوة المتين . . إنما هو تعبير فيه مجاراة لأوهام المشركين لتتبعها واستئصالها . فالذين يتولون الشيطان ويشركون به مع اللّه ، إنما يسلكون هذا المسلك توهما منهم أن للشيطان علما خفيا ، وقوة خارقة . والشيطان مضل ، واللّه يكره الضلال والمضلين . فلو أنه - على سبيل الفرض والجدل - كان متخذا له مساعدين ، لما اختارهم من المضلين ! وهذا هو الظل الذي يراد أن يلقيه التعبير . . ثم يعرض مشهد من مشاهد القيامة يكشف عن مصير الشركاء ومصير المجرمين : « وَيَوْمَ يَقُولُ : نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ . فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ . وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً . وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها ، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً » . . إنهم في الموقف الذي لا تجدي فيه دعوى بلا برهان . والديان يطالبهم أن يأتوا بشركائهم الذين زعموا ، ويأمرهم أن يدعوهم ليحضروا . . وإنهم لفي ذهول ينسون أنها الآخرة ، فينادون . لكن الشركاء لا يجيبون ! وهم بعض خلق اللّه الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئا في الموقف المرهوب . وقد جعل اللّه بين المعبودين وعبادهم مهلكة لا يجتازها هؤلاء ولا هؤلاء . . إنها النار « وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً » . ويتطلع المجرمون ، فتمتلئ نفوسهم بالخوف والهلع ، وهم يتوقعون في كل لحظة أن يقعوا فيها . وما أشق توقع العذاب وهو حاضر ، وقد أيقنوا أن لا نجاة منها ولا محيص : « وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها ، وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً » ولقد كان لهم عنها مصرف ، لو أنهم صرفوا قلوبهم من قبل للقرآن ، ولم يجادلوا في الحق الذي جاء به ، وقد ضرب اللّه لهم فيه الأمثال ونوعها لتشمل جميع الأحوال : « وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ، وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا » . . ويعبر السياق عن الإنسان في هذا المقام بأنه « شَيْءٍ » وأنه أكثر شيء جدلا . ذلك كي يطامن الإنسان من كبريائه ، ويقلل من غروره ، ويشعر أنه خلق من مخلوقات اللّه الكثيرة . وأنه أكثر هذه الخلائق جدلا . بعد ما صرف اللّه في هذا القرآن من كل مثل . ثم يعرض الشبهة التي تعلق بها من لم يؤمنوا - وهم كثرة الناس - على مدار الزمان والرسالات : « وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ، أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا » . . فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء . ولكنهم كانوا يطلبون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم